ابن كثير
364
البداية والنهاية
وحصن برزية ، فما نعمهم الأمير سيف الدين سنقر الأشقر ، فلم يزالوا به حتى استنزلوه وسلمهم البلاد ، وسار إلى خدمة السلطان الملك المنصور ، فتلقاه بالاكرام والاحترام ، وأعطاه تقدمة ألف فارس ، ولم يزل معظما في الدولة المنصورية إلى آخرها ، وانقضت تلك الأحوال . وفي النصف من المحرم حكم القاضي جلال الدين الحنفي نيابة عن أبيه حسام الدين الرازي ، وفي الثالث عشر من ربيع الأول قدم القاضي شهاب الدين محمد بن القاضي شمس الدين بن الخليل الخوي من القاهرة على قضاء قضاة دمشق ، وقرئ تقليده يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر ، واستمر بنيابة شرف الدين المقدسي . وفي يوم الأحد ثالث شوال درس بالرواحية الشيخ صفي الدين الهندي ، وحضر عنده القضاة والشيخ تاج الدين الفزاري ، وعلم الدين الدويداري ، وتولى قضاء قضاة القاهرة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز ، عوضا عن برهان الدين الخضر السنجاري ( 1 ) ، وقد كان وليها شهرا بعد ابن الخوي فاجتمع حينئذ إلى ابن بنت الأعز بين القضاء كله بالديار المصرية ، وذلك في أوائل صفر منها . وفيها استدعى سيف الدين السامري من دمشق إلى الديار المصرية ليشتري منه ربع جزر ما الذي اشتراه من بنت الملك الأشرف موسى ، فذكر لهم أنه وقفه ، وكان المتكلم في ذلك علم الدين الشجاعي ، وكان ظالما ، وكان قد استنابه الملك المنصور بديار مصر ، وجعل يتقرب إليه بتحصيل الأموال ، ففتق لهم ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن المقدسي أن السامري اشترى هذا من بنت الأشرف ( 2 ) ، وهي غير رشيدة ، وأثبت سفهها على زين الدين بن مخلوف الجائر الجاهل ، وأبطل البيع من أصله ، واسترجع على السامري بمغل ( 3 ) مدة عشرين سنة مائتي ألف درهم ، وأخذوا منه حصة من الزنبقية قيمتها سبعين ألفا وعشرة آلاف مكملة ، وتركوه فقيرا على برد الديار ، ثم أثبتوا رشدها واشتروا منها تلك الحصص بما أرادوه ، ثم أرادوا أن يستدعوا بالدماشقة واحدا بعد واحد ، ويصادرونهم ، وذلك أنه بلغهم أن من ظلم بالشام لا يفلح وأن من ظلم بمصر أفلح وطالت مدته ، وكانوا يطلبونهم إلى مصر أرض الفراعنة والظلم ، فيفعلون معهم ما أرادوا . وممن توفي فيها من الأعيان : الشيخ الإمام العلامة قطب الدين أبو بكر محمد بن الشيخ الامام أبي العباس أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن
--> ( 1 ) مات فجأة تاسع صفر عن سبعين سنة . ( السلوك 1 / 734 ) . ( 2 ) وهي ملكة خاتون ، وكان والدها الأشرف قد أوصى لها بجميع جواهره وقف دار السعادة وبستان النيرب ، ماتت في عاشر شعبان سنة 694 ه . ( انظر السلوك ص 735 وحاشية 2 منها ) . ( 3 ) في السلوك 1 / 736 : ربع حرزما - وقيل حزرما - عن عشرين سنة وهو مبلغ مائتي ألف وعشرة آلاف درهم من فضة .